نورالدين علي بن أحمد السمهودي
117
وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )
ويبكون ، وأحاطوا بالحجرة الشريفة كاشفين رؤوسهم مقرّين بذنوبهم مبتهلين مستجيرين بنبيهم صلّى اللّه عليه وسلّم . قال القطب : ولما عاين أمير المدينة ذلك أقلع عن المخالفة ، واعتبر ، ورجع عما كان عليه من المظالم وانزجر ، وأظهر التوبة والإنابة ، وأعتق جميع مماليكه ، وشرع في رد المظالم ، وعزم أهل المدينة على الإقلاع عن الإصرار وارتكاب الأوزار ، وفزعوا إلى التضرع والاستغفار ، وهبط أميرهم من القلعة مع قاضيهم الشريف سنان وأعيان البلد ، والتجئوا إلى الحجرة الشريفة ، وباتوا بالمسجد الشريف بأجمعهم حتى النساء والأطفال ؛ فصرف الله تعالى عنهم تلك النار العظيمة ذات الشمال ، ونجوا من الأوجال ، فسارت تلك النار من مخرجها وسالت ببحر عظيم من النار ، وأخذت في وادي أحيليين وأهل المدينة يشاهدونها من دورهم كأنها عندهم ، ومالت من مخرجها إلى جهة الشمال واستمرت مدة ثلاثة أشهر على ما ذكره المؤرخون . مدة النار وذكر القطب القسطلاني في كتاب أفرده لهذه النار ، وهو ممن أدركها ، لكنه كان بمكة فلم يشاهدها : أن ابتداءها يوم الجمعة السادس من شهر جمادى الآخرة ، وأنها دامت إلى يوم الأحد السابع والعشرين من رجب ، ثم خمدت ، فجملة ما أقامت اثنان وخمسون يوما ، لكنه ذكر بعد ذلك أنها أقامت منطفية أياما ، ثم ظهرت ، قال : وهي كذلك تسكن مرة وتظهر أخرى ؛ فهي لا يؤمن عودها ، وإن طفئ وقودها ، انتهى ؛ فكأن ما ذكره المؤرخون من المدة باعتبار انقطاعها بالكلية ، وطالت مدتها ليشتهر أمرها فينزجر بها عامة الخلق ويشهدوا من عظمها عنوان النار التي أنذرهم بها حبيب الحق . قوة النار وذكر القسطلاني عمن يثق به أن أمير المدينة أرسل عدة من الفرسان إلى هذه النار للإتيان بخبرها ، فلم تجسر الخيل على القرب منها ، فترجل أصحابها وقربوا منها ، فذكروا أنها ترمي بشرر كالقصر ، ولم يظفروا بجلية أمرها ، فجرد عزمه للإحاطة بخبرها ، فذكر أنه وصل منها إلى قدر غلوتين بالحجر ولم يستطع أن يجاوز موقفه من حرارة الأرض وأحجار كالمسامير تحتها نار سارية ومقابله ما يتصاعد من اللهب ، فعاين نارا كالجبال الراسيات ، والتلال المجتمعة السائرات ، تقذف بزبد الأحجار كالبحار المتلاطمة الأمواج ، وعقد لهيبها